سيد محمد طنطاوي

288

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

هذا اليوم الهائل الشديد ، يقف الناس في قلق ولهفة منتظرين قبول الشفاعة فيهم . حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم ، بسبب إذن اللَّه - تعالى - في قبولها ممن يشاء ولمن يشاء ، واستبشر الناس وقال بعضهم لبعض ، أو قالوا للملائكة : * ( ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ) * أي : ماذا قال ربكم في شأننا ومصيرنا . وهنا تقول لهم الملائكة ، أو يقول بعضهم لبعض : * ( قالُوا الْحَقَّ ) * أي : يقولون قال ربنا القول الحق وهو الإذن في الشفاعة لمن ارتضى . فلفظ * ( الْحَقَّ ) * منصوب بفعل مضمر . أي : قالوا قال ربنا الحق أو صفة لموصوف محذوف . أي : قالوا : قال ربنا القول الحق . * ( وهُوَ ) * - سبحانه - * ( الْعَلِيُّ ) * أي : المتفرد بالعلو فوق خلقه * ( الْكَبِيرُ ) * أي : المتفرد بالكبرياء والعظمة . قال صاحب الكشاف - رحمه اللَّه - : فإن قلت : بم اتصل قوله : * ( حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ) * ، ولأى شيء وقعت حتى غاية ؟ . قلت : اتصل بما فهم من هذا الكلام ، من أن ثم انتظارا للإذن ، وتوقعا وتمهلا وفزعا من الراجين للشفاعة والشفعاء ، هل يؤذن لهم أولا ؟ وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملىّ من الزمان ، وطول التربص . . . كأنه قيل : ينتظرون ويتوقفون كليا فزعين وهلين ، حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم ، بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن : تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا * ( ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ، قالُوا ) * قال * ( الْحَقَّ ) * أي : القول الحق ، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى . . « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يسألهم للمرة الثانية على سبيل التنبيه والتوبيخ ، من الذي يملك أن يرزقهم ، فقال - سبحانه - : * ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ والأَرْضِ . . ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين : من الذي يرزقكم من السماء بالمطر وغيره ، ويرزقكم من الأرض بالنباتات والمعادن وغير ذلك من المنافع . وقوله - تعالى - : * ( قُلِ اللَّه ) * جواب على هذا السؤال ، وهو جواب لا يملكون إلا الاعتراف به .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 580 .